محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
312
الإنجاد في أبواب الجهاد
فرأينا أن نُنَبِّهَ على فَرْقٍ بينهما . فنقول : إنه لما ثبت وجوب الوفاء ، وحظر الغدر ، وتقرَّر في حد الأمان الأوصاف المقيدة في ( فصل التأمين ) قبل هذا ، وثبت مع ذلك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في إباحة الخديعة في الحرب ، وفعله في ذلك ما ذكرناه ؛ انقدح وتبين أن الخديعة المباحة : هي كل ما يرجع إلى إجادة النظر في تدبير غوامض الحرب ، وإدارة الرأي فيه بما يوهم العدو الإعراض عنه ، أو الغفلة دونه ، وما أشبه ذلك من التقدم بكل ما يقع به توهينُ العدو ، أو تلتمس فيه غِرَّتُه ، وإصابة الفرصة منه على وجهٍ لا يوهمُ الأمان ، ولا يتضمن الإشعار بالأُنس إليه على حال ، فيدخل في ذلك التورية والتبييت وتشتيتٌ بينهم ، ونصبُ الكمين ، والاستطراد حال القتال ؛ لانتهاز فرصة الكرِّ ، وما أشبه ذلك ، مما يرجع الأمر فيه إلى ما حَرَّرْناه ، وليس من ذلك أن يظهر لهم أنه منهم ، أو على دينهم ، أو جاء لنصيحتهم ، فإذا وجد غفلةً نال منهم ، هذا داخلٌ في باب الأمان ؛ لأنَّ العدو يَستشعر منه الموادعة والموالفة ، فيسكن إليه ، فالإيهام عليه بمثل ذلك لا يجوز ، وهو خيانةٌ - كما تقدم - . ونُكتة الفرق أن اطمئنانه في هذا وأمثاله - مما قلنا : إنه يكون من باب الأمان - ؛ إنما سبيله استشعار المسالمة والموالفة ، فهو يستنيم إلى ما يعتقده فيه من الوفاء في ذلك ؛ ثقةً به ، وبما أظهر إليه مما يدلُّ عليه ، فلم يؤت هذا من تَقَلُّبِهِ ، بل من خَتَرِ الآخر فيما أظهر من الموالفة ( 1 ) ، وارتكب من الخيانة ، وفي أبواب المكر والخديعة إنما كان اطمئنانه لغفلةٍ من نفسه ، أو جهلٍ في استشعار الغفلة ، والتقصير من الآخر ، وما أشبه ذلك ، مما ترجع العهدة فيه على سوء نظره ، من غير خيانة تلحق الآخر في أمره ، وهذا بيِّن ، والحمد لله . ولِتَمَثُّلِ مسألةٍ تكون بظاهرها من باب الأمان تارةً ، ومن المكيدة الجائز فعلها تارةً ، ولا فارق إلا اختلاف عوارض اطمئنان العدوِّ على القانون الذي
--> ( 1 ) أثبتها ناسخ الأصل ( أبو خبزة ) : « المزالفة » ، وكلاهما صحيح المعنى .